السيد صدر الدين الصدر العاملي
23
خلاصة الفصول في علم الأصول
المقطوع به وقريب منه ما لو أدرك العقل بعض جهات الفعل المقتضية لحسنه أو قبحه وشكّ في وجود جهة فيه تعارض تلك الجهة فإنه يحكم بثبوت التكليف على حسبها ولا يعتدّ باحتمال الجهة المعارضة امّا لأصالة عدمها أو لحكم العقل بقبح الفعل أو التّرك والحال هذه حكما واقعا وان كان مبناه على الظّاهر ولهذا يستحق الذّمّ عليه في حكمه وان انكشف بعده وجود الجهة المعارضة فيه فان ارتكاب القبيح الظّاهرى قبل انكشاف الخلاف قبيح واقعي كالحرام الظّاهرى الا ترى انّ من علم بوجود السّم في أحد الإنائين فتجرى على تناول أحدهما من غير ضرورة مبيحة انّه يستحقّ الذّم بذلك عقلا وان تبين بعد ذلك انّ الذّى تناوله لاسم فيه وحينئذ فيرجع هذا القسم إلى القسم السّابق ويتناوله ادلّته ومن هذا الباب حكم العقل بحرمة قتل الكافر والزّانى بذات المحرّم وما أشبه ذلك قيل ورود الشّرع وإذا ثبت عندك ممّا حقّقناه انتفاء الملازمة الكلّية بحسب الواقع بين حكم العقل والشّرع فاعلم انّ ذلك يتصوّر امّا بالامر بالحرام العقلي ولو ندبا والنّهى عن الواجب العقلي ولو تنزيها أو ندب واجبة أو كراهة محرّمه أو بالعكس أو التكليف بأحد احكامه الأربعة في مباحه أو إباحة ما لا يبيحه العقل أو اخلاء الواقعة التي حكم العقل فيها بحكم عن جميع الأحكام امّا القسمان الأولان فلا ريب في امتناعهما بالقياس إلى الحكم الواقعي وممّا يدلّ عليه قوله تعالى قل إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وقريب من ذلك النّهى عن المندوب العقلي والامر بالمرجوح العقلي بكلا نوعيهما وامّا البواقي فمحتملة وان كانت قضية ما قرّرنا وقوع بعضها حجة القول بالملازمة أمور الأول كما انّ من الواضح انّ العقل يستقلّ بالحكم على بعض الأفعال بانّه حسن أو قبيح كذلك من الواضح انّه يستقلّ بالحكم على ما هو حسن عنده انّه حسن عند الشّارع ومطلوب له وما هو قبيح عنده انه قبيح عند الشارع والجواب عنه واضح ممّا مرّ لانّا لا نسلّم انّ العقل يدرك موافقة حكم الشّارع وتكليفه لما ادركه من جهات الفعل مطلقا بل من حيث يدرك انتفاء ما يمنع منه في نفس التكليف ولو اجماعا كما سبق الثاني اجماع العلماء على انّ العقل أحد الأدلّة ولذا يقسّمون الأحكام إلى ما يستقل باثباته العقل وما لا يستقل ويمثّلون للقسم الاوّل بوجوب قضاء الدّين وردّ الوديعة ووجوب اللّطف فلو لا قولهم بثبوت بعض الأحكام مع قطع النّظر عن الشّرع لم يستقم ما ذكروه إذ لا طاعة ولا معصية حينئذ والجواب ان هذا البيان لا يقتضى قيام الاجماع على ثبوت الملازمة وانما يقتضى قيامه على ادراك العقل لبعض الأحكام وهذا ممّا لا نزاع لنا فيه الثالث لا ريب في انّ العقل بفطرته مجبول على استحسان ما أدرك حسنه والالزام بفعله واستكراه ما أدرك قبحه والالزام بتركه وليس ذلك لخصوصيّة في ذات العقل بل ذلك شان كلّ من انكشف له الواقع وعلى هذا فمتى أدرك العقل حسن شئ أدرك علم الشّارع به واستحسانه له وإذا أدرك قبح شئ أدرك علم الشّارع به واستكراهه ولا نعنى بالحكم